أحمد بن علي القلقشندي

235

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

من الاستشهاد ، والتنبيه على آي القرآن في خلال كلامه ، دون الإشارة إليه ، والاقتصار على اقتباس معناه . ومن ذلك قول علاء الدين بن غانم ( 1 ) من خطبة ( 2 ) قدمة كتب بها لمظفر الدين موسى بن أقوش وقد صرع لغلغة ، وادعى بها للملك المؤيد صاحب حماه : نحمده على توفيقه الذي ساد به من ساد وسما ، وأصاب بتفويقه بمعونة ربه طير السما ، فحسن أن يتلى * ( ( وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى ) ) * ( 3 ) . ومن ذلك قولي في المقامة التي أنشأتها في كتابة الإنشاء ، في الكلام على فضل الكتابة : فقد نطق القرآن الكريم بفضلها ، وجاءت السنة الغراء بتقديم أهلها ، فقال جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه * ( ( اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) ) * ( 4 ) فأخبر تعالى أنه علم بالقلم ، حيث وصف نفسه بالكرم ، إشارة إلى أن تعليمها من جزيل نعمه ، وإيذانا بأن منحها من أوفر جوده وفائض ديمه ؛ وقال جلت قدرته * ( ( ن والْقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) ) * ( 5 ) فأقسم بالقلم ، وما سطرته الأقلام ، وأتى بذلك في آكد قسم ، فكان من أعظم الأقسام . وقال جلت عظمته * ( ( وإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ ) ) * ( 6 ) فجعل الكتابة من وصف الكرام ، كما قد جاء فعلها عن جماعة الأنبياء عليهم السلام ، وإنما منعها النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم معجزة قد بين

--> ( 1 ) هو الشيخ الفاضل البليغ ، الكاتب الشاعر ، علي بن محمد بن سلمان بن حمائل ، من أعيان دمشق . توفي بتبوك سنة 737 ه . ( فوات الوفيات 3 / 78 ) . ( 2 ) في هامش الطبعة الأميرية أن الخطبة قيلت تحية لقدوم المظفر بعد صرع العدو المسمى « لغلغة » ونرجح خطأ هذا التأويل لأن لغلغة نوع من الطيور ؛ ويبدو أن مظفر الدين المذكور كان قد عاد من الصيد وليس من الحرب . والسياق فيما يلي ذلك يشير إلى هذا المعنى . ( القاموس 4 / 116 ، واللسان 8 / 494 ) . ( 3 ) سورة الأنفال / 17 . ( 4 ) سورة العلق / 3 . ( 5 ) سورة القلم / 1 و 2 . ( 6 ) سورة الانفطار / 10 و 11 .